القائمة إغلاق

الرئيس الذي فقد اسمه

سليم الحسني

وُلِد منقوص الإرادة، ونشأ خائفاً من الناس، كان الخوف يزداد فيه كلما خرج الى الشارع. كان يسمع حكايات الأبطال فيرتجف، يجد في نفسه المهزوم الذي بطش به البطل، والقتيل الذي طعنه الفارس.

وقد زادت من خوفه حكايات الأشباح والجن والعفاريت، فتضاعف الخوف فيه. كان يرى نفسه في تلك الحكايات. فهو الشخص الذي دخل الشبح خلوته، وهو المجنون الذي توغل الجني في جوفه، وهو المخطوف الذي انتزعته العفاريت من فراشه.

حين ثار العسكر، ورآهم يمثّلون بجثث رجال الدولة، تصور نفسه معلقاً على عمود كهرباء، والناس يرشقونه بالحجارة، وقد ظل هذا المشهد شاخصاً أمام عينيه، فلا نجاة لأحد من الناس، ما دام الملوك والأمراء يضربهم الأطفال.

كان يريد اللجوء لقوة تحميه، قوة تنقذه من الجبارين الذين يمشون في الشوارع، ويملأون المدينة والبلد والعالم، حتى الأطفال الذين يذهبون الى المدارس ويلعبون في الحارات، جبارون يريدون به شرّاً وسيقف أحدهم فيصفعه على وجهه، او يركله على مؤخرته.

دخل عالم السياسة يحتمي بالأحزاب، عسى أن يجد فيها مأمنه، لكنه دخل عالماً مرعباً، فهؤلاء الشباب والرجال يجادل أحدهم الآخر ويكيد بعضهم ببعض. لقد دخل وادي العفاريت والجن والقتلة، وليس أمامه سوى أن يقف محني الرأس أمام كل فرد من أفرادهم.

وفيما كان الخوف يزداد ضخامة في قلبه، فان طموحاً منفلتاً كان يكبر برأسه. واكتشف أن الطاعة هي طريق المجد، فأكثر من الانحناء وأقسم بالطاعة للجميع، فلا فرق عنده بين يمين ويسار، ولا بين لون ولون، فدار عليها كلها، وانحنى أمام رجالها واحداً واحداً.

ولفرط ما بذل من خضوع، وصل الى ما يريد، لقد جلس على كرسي الرئاسة فجأة، وكان ذلك في زمن يبحثون فيه عن مهزوز خائر، فكان هو الأنسب.

كان يذهب الى المكتب مرتجفاً، فالعفاريت والاشباح ينتشرون في الطرقات، وحول مكتبه جمع منهم، ورجال الأحزاب سبق أن أنحنى إمامهم، إنه الأضعف من بين الجميع، ولا مجال لجلسة طويلة على الكرسي إلا بإرضائهم، فليأخذوا ما يريدون ويتركوني حالماً في مكاني.

في عهده وهب ذهب الأرض الى جاره الملك، وفتح الخزائن لزعيم الشمال، وكان يفكر بطريقة يهدي فيها الأنهار لينعم بالبقاء.

زار مملكة الشر، انحنى انحناءة لافتة أمام ملكها الخرف، فظنّ الناس أنه مرافقه أو حارسه، وقد بحث رجال البلاط عن ضيفهم الرئيس فلم يتعرفوا عليه.

 حدث في نفس اليوم أمر غريب، ففيما كان يهب كرامته للملك الخرف، اسقط الجار الشرير اسمه، حذف أصله، واستبدله بآخر.

سمع الخبر ورآه، سرت فيه موجة ناعمة باردة، لقد شعر لحظتها أنه نال الأمان، فلم يعد له اسم.

…مقالاتي على قناة تليغرام

https://t.me/saleemalhasani