القائمة إغلاق

الأمير المقدس / ٢١

سليم الحسني

دخل خادمه مضطرباً:

ـ سيدي، يضجّ الناس في الطرقات، ينتظرون كلمة من السيد الكبير، سمعوا خبراً من المملكة، قتلوا جماعة بحدّ السيف.

استاء الأمير، غرق في موجة من الغضب، لم يكن يرغب أن يحدّثه أحد بشأن كهذا، ليقُتل من يُقتل وليعمل السيف عمله، ألم يكن هؤلاء أصحاب رأي؟ إذن فقد استحقوا الموت.

انتظر دقائق ليهدأ غضبه، لكن انتظاره كان عابثاً، ففورة الغضب كانت تتزايد بداخله، قال لخادمه:

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، ما أتعسكم، وما أشد بلائي بكم. أتريدني أن أزعج أصحاب الأساطيل؟ أم أزعج صاحب الجلالة وابنه؟. 

خرج الخادم مسرعاً، لقد تلقى الأوامر واضحة صريحة.

انتشر المعتاشون في المدينة بأبواقهم ومزاميرهم، يُعلّمون الناس التقيّة الجديدة، ويحببون لهم السكوت. فمن قائل بأن خير الناس من لزم الصمت وأغمض عينيه وسدّ أذنيه. وقائل بأنهم استشهدوا فهنيئاً لهم الجنة، أتريدون الأمير المقدس أن يحرم الناس إحدى الحسنيين؟ وقائل بأن الأمير قد امتلك الحكمة كلها، فمن اعترض عليه فقد كفر. وقائل لم تقتلهم المملكة، إنما قتلهم من سوّل لهم حُبّ الكرامة.

أوصى المعتاشون بعضهم بعضاً، هذا يومٌ يُعرف فيه المطيع من العاصي، فمن أخلص النية للأمير فقد فاز الفوز العظيم، ومن غرّته نفسه بالتردد فقد باء بغضب منه وحلّت عليه اللعنة.

قضى الأمير يومه عند الباب، واستعان برجل من أنصاره كان يوكل له مراقبة أبيه، فشدد عليه الأمر:

ـ أنت أقرب أنصاري، وقد جعلتك رقيباً على سيدنا، فلا يطرف لك جفن بعد الآن، ولا تأخذك غفلة، كنْ لصقه كتفاً بكتف، اجعل حواسك في السمع والبصر وعطّل سواهما.

جاء يوم الجمعة، انتظر الناس الخطبة، ظنّوا أنهم سيسمعون قولاً عظيماً، ويجدون حزناً باكياً، لكنهم رأوا في الخطيب طفلاً يتعلم الكلام، وجسماً ينضح بطراً وارتياحاً، لم يمسّ الحزن بشرته، ولا يعنيه من شأن الخلق أمر. فأسمعهم ما يعرف الجاهل أضعافه، حتى أنتهى من الخطبة وقد أرهقه نعاس النعيم، فصلى بهم وخرج محفوفاً بالحرس والحشم وأبهة الملوك، يرافقه صهره وقد أنتهى من وضع توقيع جديد على مؤخرة أحدهم.

سمع الأمير الخطبة من أولها الى آخرها، قال الخطيب ما أراد، كلمة كلمة، لم يضف من عنده حرفاً ولم ينقص. فسرت فيه برودة الرضا ساعة من الزمن، ثم فاجأته حسرة ندم:

ـ ليتني أمرته أن يتكلم عن حسنة الغفلة، وحكمة الصمت على الظالمين.

سمع آل شيطان الخطبة، ابتهجوا فرحين، فأولموا وليمة كبيرة، ورقصوا رقصة إبليس، لقد حقق الأمير المقدس ما يريدون. قال أحدهم:

ـ امسكوا سيوفكم وزيدوا السيافين عدداً، فهذا أميرهم قد أعطانا حق القتل، فسكوته رضا، وكلام خطيبه رضا، وهؤلاء القوم أسرانا فأكثروا فيهم القتل قبل أن يولد منهم نسل مثلهم.