القائمة إغلاق

أميركا بدون عدو ليست أميركا

سليم الحسني

انتهت الحرب العالمية الثانية، فوجدت أميركا نفسها قوة عظمى منتصرة، لكنها من دون هيمنة دولية. ونظرت الى حليفها في الحرب الاتحاد السوفيتي فوجدته قد صار معسكراً متسع المساحة يضم أوروبا الشرقية بمنظومته الشيوعية. وهذا ما جعلها تقيّم مشاركتها في الحرب، على أنها كانت مساعدة قتالية لأوروبا، وأنها الطرف الوحيد الذي يحمل شارة النصر من دون مكاسب مناسبة على الأرض.

وأدركت الولايات المتحدة أن مساعداتها الاقتصادية لأوروبا عن طريق (مشروع مارشال) لن يكون طويل المدى، فستقف أوروبا على قدميها وتستعيد قوتها، وبذلك ينتهي الدور الأميركي، وتتراجع مكانتها العالمية، وتعود ثانية الى العزلة.

خلال العامين اللذين تليا نهاية الحرب العالمية الثانية، خرجت الولايات المتحدة بقرار تاريخي يقضي بإنهاء حالة السلام الدولي، والتلويح بحرب ثالثة قد تندلع في أي يوم. وكان هذا القرار هو بداية الحرب الباردة بصورتها الفعلية عام ١٩٤٧، وكان العدو الوحيد الذي يحقق أهداف أميركا ويُجبر أوروبا على الاحتماء بها هو الاتحاد السوفيتي. وقد جعلت أميركا البعد الآيديولوجي العامل الأكبر والصفة الأبرز للعدو الجديد.

حققت الولايات المتحدة من خلال الحرب الباردة نتائج مُبهرة، لقد بدأت تجني ما فاتها من مكاسب الحرب العالمية الثانية، وبأضعاف مضاعفة مرات ومرات، فقد توسعت في مناطق عديدة من العالم، وصارت صاحبة القرار المؤثر والكلمة المسموعة وجدار الصد ضد الغزو الشيوعي.

عززت هذه التجربة قناعة الإدارات الأميركية بضرورة البحث الدائم عن أعداء، فالعدو يفتح أبواب التوسع الأمريكي، ويضع أقدام القوات الأميركية في مناطق متفرقة من العالم. إن العالم المتأزم هو حياة أمريكا العظمى، فيما يشكل الهدوء جواً خانقاً ينتهي بها الى الضعف والإنزواء.

إيران.. عدو مثالي بالنسبة لأميركا، فهي في المنطقة الأكثر حساسية في العالم، وهي دولة ذات طابع أيديولوجي، ثم يأتي الجانب المذهبي ليجعل من الممكن تحريك العامل الطائفي في المنطقة خصوصاً وان السعودية ونظائرها تعيش العقلية الطائفية بأعلى مستوياتها.

دعمت صدام لشن الحرب على إيران، وحين انتهت الحرب، شجعت صدام على غزو الكويت، فحولتّه من حليف الى عدو، وكانت سنوات الحصار ومن ثم احتلال العراق عام ٢٠٠٣.

بعد الاتفاق النووي مع إيران، كانت الولايات المتحدة تتصور أنها ستحسم الملف السوري لصالحها، وأن مشروعها في إبقاء دولة داعش الإرهابية في العراق والشام سيستمر طويلاً، لكن الحسابات لم تكن دقيقة، وجاءت المفاجآت السريعة بهزيمة داعش في العراق واستعادة النظام السوري سيطرته على الدولة، وهي انتكاسات متتالية للسياسة الأميركية في المنطقة.

وهنا قررت استخدام استراتيجية (إختلاق عدو) والعدو الجاهز هو إيران، فأثارت أزمة الملف النووي بأن نقضت الاتفاق الدولي، وحشّدت الأجواء بمظاهر الحرب على إيران. وكان الغرض الحقيقي هو العودة الى العراق بقوتها العسكرية، والبقاء فيه طويلاً هذه المرة.

العنوان هو الحرب على إيران، لكن الميدان الحقيقي سيكون العراق، إنه الهدف المركزي للسياسة الأميركية في مشروعها الذي لا تتنازل عنه بتشكيل الشرق الأوسط الجديد، وصياغته على أساس منظومتها الفكرية الجاهزة.

القوى المؤثرة والمسؤولة في العراق، منسجمة مع المشروع الأميركي، بالصمت وبالقبول السري وبالتنسيق المخفي وبالمواقف الباردة.

مواقف القوة العراقية، يُشجع الإدارة الأميركية على تحويل العراق الى قاعدة جاهزة كلما احتاجت المصالح الأميركية الى تفعيل أزمة (العدو) وسيطول الحال بهذا البلد المبتلى بقياداته، ما لم تقف النخب المخلصة لتكشف وتصرخ بوجوه المتسببين في تمزيق السيادة العراقية.

١٨ أيار ٢٠١٩

مقالاتي على التليغرام

https://t.me/saleemalhasani