القائمة إغلاق

الأمير المقدس / ٢٢

سليم الحسني

كان له خطيبان يسرقان الناس والأضرحة، يأمران الناس بالصمت وإغماض العيون، ويحذّران من المساس بالأمير، فهو باب السماء، وقطب الأرض، ومن يمسّه فقد ذبح الدين.

قَطَعا أرزاق الكسبة، ونهبا مثل ما نهبه حكّام البلاد. كان أحدهما كلما أوغل في السرقة ازداد وجهه عبوساً، وكان الآخر يزداد رأسه ضخامة. فاذا خطب ذو الوجه العابس تطيّر الناس اسبوعهم، وإذا خطب صاحب الرأس الضخم ازداد الناس حيرة.

ضجّ الخلق منهما، شكوا للأمير أمرهما، لكنه لا يأخذ شكوى الفقراء، ولا يعير المظلومين أذنه. فهما لساناه، بهما يخدع الناس، وبهما يتحكم بشؤون البلاد، وهما بابان مفتوحان من أبواب المال. لقد تفننا في جمعه بالحلال والحرام، فكان الأول أكثر براعة من صاحبه، وكان الثاني أكثر تفنناً من الآخر.

جعل الأمير خطبة الجمعة كرةً يتلقفانها، فأسبوع لهذا وأسبوع لذاك. ولو أنه وجد ثالثاً، لأدخله لعبة الجمعة هذه.

كان الأمير يكتب الخطبة بنفسه، يقضي الليل بطوله يفكر، يرصد ما يريده بنو الأصفر وما يبغضونه، فيعمد الى كتابة الخطبة، يرضيهم بها كل الرضا. وقد أتقن ذلك وأجاده، فإذا رأى هياجاً في صدور الناس ضد أساطيلهم وجيوشهم، صرف أنظارهم بخطبة عن ألعاب الأطفال وطباع الصبيان والسعلاة والغيلان. وإذا أحرق آل شيطان أرض الحكمة، أمر أحد خطيبيه أن يتحدث عن نظافة الأسنان وتقليم الأظفار.

وقد حدث أن احتشدت جيوش بني الأصفر في البلاد، فجاءت من فوقها ومن أسفلها وزاغت عيون الناس وبلغت القلوب الحناجر، وظنّوا أن الحرب واقعة، فقد صكّت أسماعهم طبولها، ونفخ الطرفان نفيرهما ولاحت الرماح تبرق في المشرقين والمغربين، فتوجه الناس الى منبر الجمعة يزاحم بعضهم بعضاً، ويخبر حاضرهم غائبهم، أن الخطبة ستكون نداءً مدوياً، وستقضي أمراً مفعولاً.

تجمع الناس وأنصتوا، لكنهم سمعوا كلاماً أبرد من كوز الساقي، فانصرفوا لبيوتهم يضربون كفاً بكف، وتهامسوا:

ـ إن الأمير يحب نومنا، ناموا يرحمكم الله.

وحدث أن دعا آل شيطان الى اجتماع في دار الندوة في العشرة الأخيرة من رمضان، وهناك أقسموا بالبيت العتيق على بيعة ملك الروم وطاعته، يبيعون ما يريد بلا ثمن، ويشترون ما يريد بأغلى ثمن، ويهدون قبلتهم ليهود خيبر، ويوغلون في الناس قتلاً وتجويعاً.

تجمّع الناس يومها في المسجد، قالوا:

ـ ستكون هذه المرة خطبة من نار، فلا سكوت بعد هذا.

قال طفل صغير:

ـ أعرف ما سيقول.. فهذه أحاديثنا في الزقاق.