القائمة إغلاق

قبيلة اللصوص

سليم الحسني

أسماهم الناس قبيلة اللصوص، كانوا يسرقون طوال الوقت في الليل والنهار، تشابهت طباعهم، فظنّوا أنهم أبناء قبيلة واحدة، وما كانوا كذلك، فلم يجمعهم نسب، ولم يوحدّهم معتقد، ولم يضمّهم ملبس، إنما يمرّ عليهم الشيطان قبل نومهم بساعة، فيقص عليهم حكاياته، فلا ينامون إلا بعد أن يحفظوها عن ظهر قلب. وحين يصبحون يقبّلون ذيله، ويجلسون عند قدميه يعيدون عليه ما حفظوه، فيرفع يده مباركاً طاعتهم، يقبلونها ويخرجون. 

يخرجون ينتزعون اللقمة والابتسامة وكل ما تقع عليه أيديهم، يسطون على البيوت والأكواخ والأجساد، يفعلون ذلك وهم على طهارة أو على نجاسة، يزدادون شراهة في رمضان. وأكثر سرقاتهم حين يجتمعون بأزيائهم الثلاثة، العمامة وربطة العنق والسروال العريض.

يكرهون الأطفال الفقراء أشد الكره، يقولون إنهم يحملون في صدورهم قلوب الرفض، وفي أصواتهم رنين القوة، فإنْ كبروا نافسوا أبناءنا المناصب وضاعت الثروة من خزائننا.

سرقوا مدارسهم وتركوهم يجلسون على الأرض طوال الشتاء، ثم استولوا على لقمة العيش، فتركوهم ينامون جياعاً. واتجهوا نحو المشافي يسطون على العقاقير، يستبدلونها بالسموم، ثم جالوا على الحوانيت المتهدمة يرشّون ملحاً على قطع الحلوى الرخيصة.

كانت لهم في اليوم ساعة ثابتة، يتناوبون على المنبر ومنصبة الخطابة ومحراب الصلاة ودار القبّة، يلعنون الشيطان بأفواههم، ويتوعّدون بعضهم بأوراقهم، ويعدون الفقراء بأستاههم، فإذا انقضت الساعة بدقائقها التامة، عادوا لقصورهم يجروّن وراءهم كدّ يومهم ذهباً وفضة ولعنات.

وكانت لهم على مدار الأسبوع ولائم منتظمة، يتناوبونها على قصورهم، بعمائمهم وبذلاتهم وسراويلهم، فاذا انتهوا خرجوا على الناس يصطنعون العداء فيما بينهم. وكانوا يقولون إنه أحفظ للثروة من عيون الفقراء.

أشهى طعامهم حين يكون مسلوباً من أفواه الجياع، وأحلى أماكنهم حين تطل على أحياء الفقراء. وأكثر صلواتهم خشوعاً عندما تكون على غير وضوء في غرف مغصوبة. 

كان سادتهم الكبار بضعة أفراد، فإليهم ينتهي الأمر، وقد باركوا لأتباعهم السرقة، في السرّ، يتناصفونها معهم، فإذا اشتكى الناس ضيق الحال واشتداد الجوع، خرجوا يلعنون السرقة والسرّاق، يتقاذفون التهم فيما بينهم، يقسمون بالله كذباً أنهم سيقطعون يد السارق لو ظفروا به، وحين يدخلون منازلهم، يغلقون الأبواب والنوافذ، ويتقاسمون السرقات مناصفة مع أتباعهم. ثم يوصونهم بصريح القول: دونكم الفقراء والجياع والأطفال، فلا تبقوا لهم باقية في مأكل أو ملبس، إن الشيطان يدعونا إليه، فإياكم وغضب الشيطان.

يهزون رؤوسهم طاعة واستجابة، يخرجون من عندهم نحو دواوين الحكم، ينتزعون ما تصل اليه أيديهم. وعلى مقربة منهم يموت جياع، وتضيع بنات، وتبكي نسوة.