القائمة إغلاق

الوطن في الشخصية العراقية

سليم الحسني

عندما خرجت الجماهير من مختلف الأعمار باتجاه الدوائر الحكومية لحظة سقوط النظام في 9 نيسان 2003، كان ذلك إعلاناً شعبياً على رفض فكرة الدولة، وأن الممتلكات العامة لا حرمة لها، فهي مباحة أمام الأسرع والأقوى.

وبينما اهتم البسطاء بالتوجه لأقرب دائرة حكومية، فان البعض الآخر الأكثر طموحاً اختاروا الأماكن الحكومية التي يمكن أن يحصلوا منها على قطع ثمينة، كالمكتبات الوثائقية والمعارض الفنية والمتحف الوطني.

وآخرون اكثر ذكاءً وتطلعاً، توجهوا الى البنوك بمختلف فروعها، وقد دارت معارك شرسة بين مجاميع من العصابات المسلحة راح ضحيتها العديد من القتلى على أبواب البنوك.

فئة رابعة كانت قد أعدت للأمر من قبل، وهم المشتغلون في مجال السياسة، فقد توزعوا على نهب البنوك والمؤسسات المهمة، والسيطرة على المباني الحكومية والمصانع والمخازن الكبيرة.

في ذلك اليوم، رأى العالم المتحضر أن العراقيين لا يحبون وطنهم، أو أنهم يمتلكون فهماً ملتبساً للوطن والدولة والسلطة. وفسّر قسم من المثقفين العراقيين هذا السلوك، على انه تعبير عن الغضب المكبوت طوال عقود من الزمن. ودافع البعض بأن مثل هذه المظاهر تشهدها العديد من الدول في لحظات التحول كالتي شهدها العراق.

لكن الحقيقة التي لا يمكن الجدال فيها، أن هذا السلوك كان يعني أن إرتباط معظم الشعب العراقي بالدين وتعاليمه واخلاقه، هو ارتباط شكلي هش الى أدنى الدرجات. وأن الصورة التي هيمنت على المشهد العراقي فيما بعد، عن قوة العلاقة مع رجال الدين ومع المرجعية وأئمة المساجد من شيعة وسنة، هي صورة مزورة وليست طبق الأصل. لقد اختفى أصل الصورة، وتم تداول الثانية المزورة على نطاق واسع مكثف، حتى صارت هي الشائعة والمهيمنة على الحياة العراقية. فهذا التدين الذي يملأ الأماكن والاجواء، شكلي ساذج، لا يستطيع أن يصمد أمام الانفلات، وليس بمقدوره أن يمنع صاحبه من ارتكاب السرقة وغيرها حين يجد لنفسه المبرر.

هذا ما يتعلق بالمواطن العادي، أما رجال الأحزاب والسياسة، فكانت الثروة والقوة هي هاجسهم الأكبر، فالوطن خزينة كبيرة، وعقارات فخمة، وما عدا ذلك أشياء لا قيمة لها. فكان توجههم نحو مواقع السلطة والدخول الى العملية السياسية مستنداً الى هذا التوجه قبل أي أمر آخر.

وفي الأيام الأولى لتغيير نظام الحكم، شغلت مجموعة من الأشخاص مواقع الدين بسرعة خاطفة، فقد كانت تجيد هذا المجال، ولعلها كانت الأقدر من غيرها في تقدير إمكاناتها الشخصية، فهي في العمل السياسي الصرف لن تجد لها متسعاً من المكان، وفي العمل الديني التقليدي لا تستطيع ان تدرك عتباته الأساسية، فانتهجت لها موقعاً يجمع بين هذا وذاك، فملأت المنطقة بكفاءة عالية، وكانت أرباحها مضمونة منذ البداية.

بهذه القوى كانت العملية السياسية ما بعد دكتاتورية صدام، جماهير لا تحب الوطن بالشكل المطلوب، وقوى سياسية لا تريد بناء دولة حتى لا تخسر نهب الثروة، ورجال دين يجيدون محاكاة المشاعر البسيطة واقتناص الفرص السياسية.

إنها مجازفة عالية عندما يتم توجيه تهمة من هذا الوزن للشعب، فذلك يعني أن الكاتب يضع مستقبله الكتابي أمام خطر عظيم، خصوصاً وأن قدرة العراقي (بسيطاً كان أو مثقفاً) على استخدام الشعارات الوطنية يفوق قدرات الشعوب الأخرى، فهو على استعداد لتوظيف موروثه من القمع والضيم والفقر، أو من الانتفاع والتلون والانتهازية بهذا الاتجاه، فيملأ الأرض والسماء بشعارات عالية الحساسية والحرارة في موضوع الوطن والمواطنة.

ما أسعى اليه تقييم التجربة، والمساهمة بتقديم تصورات للحل، فهي إذن محاولة تستحق المجازفة، وتستدعي تحمل ردود الأفعال.. وهل بقي في العمر ما يستحق الحرص والحذر؟