القائمة إغلاق

طريق الحسين / الخطوة الثانية

سليم الحسني

رسائل الكوفة ثقيلة تُبطئ سير القافلة. كان حبرها باهتاً، قرأتُ سطورها على وجه زينب. عرفتُ معانيها بكلام الحسين: هذا الليل فاتخذوه جملاً.

لن أترك ركبك يا حسين. لقد هتفتُ بأعلى الصوت: (هيهات منا الذلة). سمعتُ نداءك وآمنتُ به، فكيف أتركُ درباً يسلكه سيد الجنة. لو صار الليل ظلمةً فوق أخرى، وعُميتْ عيون البشر، لما اتخذته منجاةً لحياتي.

أنا ثأر حمزة والكرار، أنا ثأرك يا ثار الله. أنا الساعي للحسنيين معاً، ولا ينالهما إلا من سار في دربك. أنا الذاهب الى مشرعة دجلة في تكريت، ولا يصلها إلا من صلى في كربلاء.

أنت يا ابن الرسول تريد رجالاً أعاروا الله جماجمهم. باعوا الدنيا بشسع النعل. أنا منهم يا ريحانة محمد، وسيولد مثلي أفواج. عصائبٌ حق لا تخشى، كتائب عزّ لا تَفنى، حشدٌ جبّار أقوى من سدّ الاسكندر وزُبر الحديد.

صلاة في جوف الليل، ودعاء خاشع. حزنٌ منثور من أسراب الملائكة، يتساقط على الأرض مثل الدموع. لم يبق سوى بضعة أيام. تململتْ الشمس لا تريد الطلوع. تشبّثتْ بالليل، تمسّكتْ بأمواج البحر. تستحي الشمس أن تصنع يوماً يقرّب المسافة من كربلاء.

أشرقي يا شمس الناس، فهذا المقبل يحملُ سرّاً. سرّ مدفون في أرض الطف. سرّ يعرفه الأنبياء، ومرّ عليه عليّ وشمّت ثراه الزهراء. لن يراك الناس مشرقةً إذا لم يبلغ الحسين أرض الطف. لن تشرقي على الأحرار ثانية إذا لم يستخرج الحسين سرّ الحياة من كربلاء.

نصفكِ يا شمس الخلق مطفأ، ونصفك الآخر كسول. لا يرى الناس الضوء. لفّتهم العتمة منذ آخر صلاة لعليّ في المحراب. منذ سرق معاوية صلاة المسلمين، ونزتْ القرود بقصر يزيد. من يومها صار القرآن مهجوراً، يتلوه القرّاء صوتاً بلا معنى. واختلط بحديث رسول الله كلامٌ مكذوب.

كنتُ مثلك يا شمس الناس أريد للزمن أن يطول، فلا يصل الحسين الى كربلاء. لكني سمعتُه في جوف الليل يناجي ربّه بخشوع. سمعتُ بكاءً حزيناً ورأيتُ ومضة بشرى. فعرفتُ السرّ وأعلنتُه. هناك حين يصل الركب، وتجول الخيل، ويضطرب الميدان، ويبكي الكون، ستولد أمة. وتعود المعاني لكلمات القرآن، وتنجو السيرة من الكذابين.

أنا يا شمس الناس الشاهد على ما جرى. أنا آخر جرحى كربلاء، أحمل معي وصية الحسين. طويت عليها شغاف القلب. نهضتُ قائماً أقرأها على الملأ جيلاً بعد جيل. وحين يسمعون الوصية، يتعالى الهتاف: هيهات منا الذلة. ثم تسير مواكبٌ وكتائب وعصائب وفصائل.

٢٢ أغسطس ٢٠٢٠

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani