القائمة إغلاق

طريق الحسين / الخطوة الرابعة

سليم الحسني

كان العدد كبيراً. ليس جيش آل أبي سفيان، إنما أصحاب الحسين كان عددهم كبيراً. اثنتان وسبعون راية حق. يغطّون وجه الظلم، يُسرجون في العتمة شموساً. تميد الأرض على وقع أقدامهم. فيهم قمر الأحرار أبو الفضل العباس، وقائدهم نداء السماوات والأرضين أبو عبد الله الحسين.

جمعٌ كبير، ركبٌ جرار، عطّلَ حساب الأرقام. حين يكون الحق قضية، يصير الواحد ألفاً. يختّل حساب الأعداد، وتفرض (بدر) حسابها.

حين يكون الحق قضية، تدخل الأجساد في الأرواح، فيبقى الدم ويموت السيف.

وحين يكون الحق قضية، فلا مكان للنزال سوى كربلاء. وكربلاء قسيم الزمان، شطبتْ على الحياد الخوّاف، فهذا حسين وذاك يزيد.

قرأها الحر الرياحي، رأى الحياد مشطوباً، رددّ بصره بين الطرفين. نور وظلام. ملاك وشيطان. إله وصنم. حرٌّ وعبد.

لحظة حاسمة. وقفة مصير. لا يكره الحياة إلا الجبان. لا يفرّط بها إلا الذليل. خذني يا حسين معك. ضمّني تحت رايتك، فقد عشقتُ الخلود.

نهضتُ من أرض الطف أحمل جرحي. خطواتي لا تعرف طريقاً غير كربلاء.

هذا أنا، سمعتُكم تتهامسون، وسمعتُ نفثات الغدر في صدوركم. وهذه ملامحكم أعرفُها منذ زمن بعيد. حملها أبو سفيان من مكة الى المدينة، وأورثها ابنه معاوية فأخذها معه الى الشام وأعطاها ليزيد. نفس الملامح لا تتغير، بخطوطها المتعرجة، بألوانها القاتمة، بالحجارة المنحوتة منها. والصوت هو نفس الصوت السفياني الممسوخ. هذه نبرته وكلماته اللاعنة ووعيد الدم يتطافر من حروفه.

سمعتكم تتهامسون، تريدون أن تحرقوا أرضي وتهدموا منارتي وتحرّفوا كلمات القرآن. أنا حارسها ليلاً ونهاراً. من يبرز لي أرديه صريعاً، فيميني سيف بدريّ لا يُكسر، ويساري سيف من معركة الخندق، والأضلع لا تخذلني أبداً.

هذا أنت، وهذه طعنتك الغادرة. أحرقتَ العشب يا سيّاف أبي سفيان، وهدمتَ القبة والمأذنة، ومددتَ يدك الى القرآن. أتظنّ أني سأموت؟

خاب سعيك يا حامل نار الحقد. أنا الأرض والعشب والشجرة. كتابُ الله في صدري، وجنبه حديث محمد وسيرة عليّ. أنا القادم من كربلاء وهذا جرحي. ومن يحمل جرح كربلاء يكمل دورة الخلود حتى قيام الساعة. لن يقتلني سيفك، لن يرديني رمحك، لن أصرخ من ضربتك الغادرة. صرختي واحدة: (يا حسين بضمايرنا).

٢٤ أغسطس ٢٠٢٠

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani