القائمة إغلاق

طريق الحسين / الخطوة الخامسة

سليم الحسني

قلوبهم معك وسيوفهم عليك. كلمة سمعها الحسين في الطريق. لم يغّير مساره. لم تنقص همّته. لا حاجة للحسين بكم. أنتم كمن يضرب بالسيف رأسه. قلوبٌ لا تمسك السيوف، خوّانة. وسيفٌ لا يُشهره القلب، قصبة.

في كربلاء، القلبُ هو الخطوة الراجلة. هو الضربة القاتلة. هو نصل السيف وقبضته. إنما يُعرفُ قلب الرجل بسيفه. كاذبٌ هذا الحبُ المشلول. مسخٌ مشوّه من لا يتبع سيفُه قلبه.

لا يريد الحسين جباناً في جيشه. يلفظه الركب بعيداً، يطوّحه الجواد من ظهره، يرميه الجمل من سنامه. فخيول هاشم مُسرجة لمنْ يجمع قلبه بسيفه.

يتعالى صهيل الخيل قرب كربلاء، يسمعه رجال الحسين في زنازينهم، يفور الدم بعروقهم، يريدون قطع سلاسل الحديد من أيديهم، يحفرون الجدران بأصابعهم، لكن الجدار وراءه جدران، وفوج الحرس وراءه أفواج.

أوهنتْ التسعون عظمك يا ابن صرد الخزاعي، فلا تقوى على كسر القيود. وهذا ابن زياد يزيد عليك الحرس عدداً. لكن قلبك لا ييأس، يثور بصدرك يريد القتال الى جنب الحسين.

أثقلَ الحديد زنديك يا مختار. حاصرتك جدران الزنزانة الصخرية. والباب حديد مغلق. يكاد قلبك يقتلع ضلعاً يقاتل به. تصبّرْ يا مختار فكربلاء باقية.

يراكم الحسين من بعيد. ويرى خيرة أصحابه في الزنازين. يسمع صليل سيوفهم معه، وإنْ حبس السجن أجسادهم.

أنا جاركم، زنزانتي بينكم. جاءوا بي لأني مشيت على طريق الحسين. كلما صدأ الحديد أبدلوه بغيره. أرى آثاركم، فهذه قيود سليمان بن صرد تكسرّتْ وخرج يُعلنها ثورة. وهذه قيود المختار تحطّمتْ، وانطلق يفجّرها صرخةً بوجوههم: (يا لثارات الحسين). وتلك سلاسل وقيود وأبواب من حديد خرج منها رجال يعيدون كربلاء الباقية.

يريدني السجّان أن أركع. وكيف يركع مَن يحمل في صدره كربلاء؟ أرادني أن أسكت فكررتها: (يا حسين بضمايرنا).

سجنك مظلم وقيودك ثقيلة. أغلقْ الأبواب سنة وعشراً ومئة، لن أركع أبداً. أشعِلْ شجر الأرض ناراً، ستراني أمسكُ جمرها بيدي ولا أصرخ. بداخلي لوعة كربلاء، ومن يحمل لوعتها تنطفئ النار على جسمه.

دُسَّ السمّ في طعامي. اطعني برمحك آلاف الطعنات. جرّبْ السيف معي ليلاً ونهاراً. جربه صبحاً وعشياً. سيوهمك المنظرُ وتظنني متُّ.

لا أموت. لن يواريني ثرى. هذه القبة ومنائرها تنضح حياةً، هذه المساجد تضج حركةً، هذه القلعة الرابضة في ظهر الكوفة تنطق حكمة. هذا الجنوب الغارق في الفقر لا يقهره أمويّ كفّار. وهذا الشاب الذي تتكئ عليه النخلة، أنا.

أترى هذا النعش المحمول على الأكتاف من جسر بغداد الى مدافن قريش؟ أترى هذه الجموع الباكية؟ أتسمع هتاف الحزن من حناجرهم؟ إنهم زحف هادر، جيل يصنع جيلاً. موجٌ يرفع موجاً. والنعش على أكتافهم ينثر قوة.

هكذا نحن. خلقٌ يولدُ جبّاراً.

هل عرفتَ الآن يا سجّان آل أبي سفيان لماذا كانت قاماتهم تزداد شموخاً في سجنك؟

هل أدركتَ لماذا يتسابقون الى السواتر يحرسون الحدود؟

هل رأيت بنادقهم على أكتافهم رايات مجد ونصر؟

أُعيدها عليك فاسمعني: نحن خلقٌ يولد جبّاراً. قلوبنا حبّ الحسين، بنادقنا مع الحسين، وطريقنا نهج الحسين.

صمّ أذنيك أو لا تصمّهما، ستخرقهما صرخة: (هيهات منّا الذلة).

٢٥ أغسطس ٢٠٢٠

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani