القائمة إغلاق

نحن في خطر وأنتم السبب

سليم الحسني

لا تنفصل العملية السياسية في جزئها الشيعي عن المرجعية الدينية، فقد بدأت خطوتها الأولى بكتابة الدستور والتصويت له، بأمر وتوجيه ومتابعة من المرجع الأعلى السيد السيستاني. ثم تلاها تبني تشكيل التحالف الوطني في أول انتخابات برلمانية، وبذلك فهو من المساهمين الأساسيين في العملية السياسية، وسيبقى هذا الترابط قائماً الى هذه الفترة وما تلاها، وهذا هو قانون التاريخ وتكوّن محطاته، إنها تتأسس على خطوة أولى، ثم يتشكل المسار.

لقد أراد السيد السيستاني القيام بدور الأبوة والتوجيه لمصلحة الأمة والعراق، لكن النية الصادقة وحدها لا تكفي، فهناك حساب وتقييم يخرج من صلاحيات المرجع ليصبح من اختصاص التاريخ والمؤرخ والبلد والمواطن.

لم يقتصر الأمر على كتابة الدستور وتشكيل التحالف الوطني الانتخابي، إنما صار للمرجعية العليا ـ أو مكتبها ـ المشاركة القوية المؤثرة في العملية السياسية ومنها اختيار رئيس الوزراء بدءاً من إياد علاوي ووصولاً الى مصطفى الكاظمي.

وكان للمرجعية ـ أو لمكتبها ـ الدور المؤثر في نسبة المشاركة الانتخابية، وهذا ما تمثل بشكل صريح ورسمي في انتخابات عام ٢٠١٨ بعد خطبة الجمعة الشهيرة التي ثبّطت المواطنين عن المشاركة.

ساعدت المرجعية ـ أو مكتبها ـ على تعطيل أول خطوة دستورية عندما استجابت للكتل السياسية المعارضة لتولي إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء بعد انتخابات عام ٢٠٠٥، مع أنه كان المرشح للمنصب وفق الأسس الدستورية والديمقراطية، فقد كان مرشح التحالف الوطني بعد فوزه في انتخابات الترشيح. ولم يتنازل الجعفري إلا بعد أن جاء الرأي من مكتب السيد السيستاني يدعوه الى التنازل واختيار بديل من نفس الكتلة. فكانت البديل نوري المالكي.

في عام ٢٠١٤ كان المالكي صاحب الكتلة الأكبر، وفي نفس الوقت صاحب أكبر رقم فائز في الانتخابات بما يزيد على سبع مائة ألف صوت له شخصياً، لكن المرجعية العليا أيدت الكتل المعارضة لتوليه الحكومة ودعت الى اختيار غيره. فكان غيره هو حيدر العبادي.

وبعد العبادي وقع الاختيار على عادل عبد المهدي في المفاجأة التي صدمت العراقيين، ثم حدث بعدها الاضطراب التشريني وأقالته المرجعية العليا في خطبة الجمعة ودعت البرلمان الى اختيار البديل، فجاء مصطفى الكاظمي.

حلقة واحدة من هذه الحلقات تكفي أن تجعل مرجعية السيد السيستاني مشاركة قوية في العملية السياسية، ومسؤولة عن الواقع الذي وصل اليه شيعة العراق، فكيف بهذه الحلقات متلاحقة مجتمعة؟

لا يمكن الفصل بأي وجه من الوجوه بين الكتل السياسية وبين المرجعية في مسار الحدث السياسي العراقي. كما لا يمكن عزل المرجعية عن الكتل السياسية في مسؤولية ما وصل اليه الشيعة اليوم.

سيكون الكلام تجنياً لو لم أؤكد بأن المرجع الأعلى السيد السيستاني، كان يريد خير العراق وشعبه، وأنه كان يقرر ويوجّه في ضوء ما يراه المصلحة النافعة، لكن الساحة تعتمد لغة النتائج لا النوايا.

لقد أراد السيد السيستاني أن يكون الأب لعموم العراقيين، لكن الأحداث وطريقة التعامل ـ من مكتبه، وأؤكد من مكتبه ـ جعلته كتلة من الكتل السياسية، كتلة مؤثرة تمتلك وحدها حق الفيتو وحق الفرض. وبذلك صارت المرجعية تتحمل المسؤولية مع القيادات السياسية في وصول حال الشيعة الى ما نراه والى ما سيكون عليه.

نحن في الخطر. خطر محدق بالشيعة، ستكون كوارثه في الانتخابات القادمة وما بعدها، حين ينجلي غبار الانتخابات، فيواجه الشيعة مصير الأخطاء السابقة.

الشيعة في خطر، وهذا ما يدعو المخلصين الى البحث عن الحل، والجميع يجب أن يشترك فيه، المرجعية والكتل السياسية والنخب الشيعية، ومن يتخلف عن المشاركة في الحل، فسيكون رمحاً في ظهورهم وصدورهم.

إن التوجه الأمريكي والعربي يعمل على إبعاد الشيعة عن استحقاقاتهم كأغلبية سكانية، وقد لمست القيادات السنية ذلك، وأخذت الرأي والتوجيه، وعليه فهي تعمل على مشروع الإقصاء عن طريق تشجيع التشتت الشيعي، والتدخل في تشكيل الحكومة وتحديد رئيسها، ويبرز في هذا الخصوص الجهد المكثف الذي يقوم به القطبان السنيان محمد الحلبوسي وخميس الخنجر. وكان الحلبوسي قد تحدث في بعض مجالسه إن رئاسة الوزراء القادمة سيحددها السنة.

مثلما تتحمل الكتل والقيادات الشيعية مسؤولية تصدع الشيعة وتراجع قوتهم وتدهور أوضاعهم، فان المرجعية العليا تتحمل المسؤولية أيضاً، لقد بدأت مع القيادات الشيعية، ولن يكون مقبولاً أن تترك الأمور بعد أن وصلت الى النقطة الحرجة، فتلتزم الصمت وتختار العزلة، لقد كان لها مشاركتها وتأثيرها، ولن يقنع الانسان الشيعي بكل تبريرات الابتعاد وغلق الأبواب، إنها قيادته وقد انتخب وصوّت بناء على رأي المرجعية، فحدث ما حدث، وهو ينتظر منها الحل فهي صاحبة الرأي الأعلى، وهذا ما ينتظره الشيعي الذي يبقى ولاءه لمرجعيته في قمة الإخلاص والصدق.

١٣ نيسان ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani