القائمة إغلاق

مكتب السيستاني، من الخطأ الى الكارثة

سليم الحسني

كانت الخطوة الأولى التي أقدمت عليها القوى الشيعية بعد سقوط نظام صدام صحيحة في سياق الحدث الكبير الذي شهده العراق. فقد سارعت للدخول في العملية السياسية ومثّلت الشيعة كأغلبية لها استحقاقاتها في الحكم والدولة.

كما أن لجوء القوى السياسية الشيعية الى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، كان نقلة نوعية في مسار الأحداث، فقد ساهمت تلك القوى في إبراز المرجعية على الساحة الدولية كقيادة عليا لها مكانتها وتأثيرها على عموم الوضع الشيعي في العراق سياسياً واجتماعياً. وجعلت الولايات المتحدة والقوى الكبرى تأخذ في حساباتها أن المرجعية الدينية التي كانت منعزلة ومنطوية سياسياً في عهد النظام السابق، أصبحت الآن مفروضة عليها، ولها موقعها في القرار السياسي، نتيجة رجوع القيادات الشيعية لها.

في المقابل فإنّ موقف المرجعية العليا كان سريعاً في انفتاحها على هذه القيادات ومشاركتها في القرار والموقف. وهو ما أنتج قوة شيعية مؤثرة صعدت بسرعة الى الساحة السياسية محلياً ودولياً.

وكان من نتيجة ذلك أن شعر السنة بأن عصرهم قد ولّى، وأن الحل الوحيد لتدارك الصعود الشيعي هو عرقلة العملية السياسية بأي شكل من الأشكال. ولم يكن أسهل عليهم من خيار العنف والإرهاب الذي تحمله الذهنية العامة عند قياداتهم الطائفية وعند الحكومات العربية بشكل عام والخليجية على وجه الخصوص.

ومع أن قيادة الاحتلال الأمريكي واجهت مشكلة أمنية نتيجة ذلك، إلا أنها تسامحت مع النشاط الإرهابي، لأنها كانت تريد تحويله ضد الشيعة، إضافة الى كونه يُفعّل الفوضى الخلاقة التي اعتمدتها الولايات المتحدة في بداية احتلالها للعراق.

إن القوة الشيعية التي مثّلت في تلك الفترة من بداية العملية السياسية حالة مثالية في علاقة القيادات السياسية مع المرجعية الدينية، لم تنتظم في علاقة مؤسساتية مبرمجة، فقد برز فيها العامل الشخصي بعد فترة وجيزة من انطلاقها، حيث سعى مكتب السيد السيستاني الى أن يمارس دور الولي الفقيه ـ دون إعلان رسمي ـ على الكيانات الشيعية، أي أنه أرادها أن تكون منفّذة لرؤى المكتب، وأن تكون العلاقة ذات اتجاه واحد، رأي يصدر من المكتب، والتزام مطلق من القيادات السياسية، مع تمسك تام من قبل هذه القيادات بعدم الإفصاح عن أوامر وتعليمات مكتب المرجعية، لكي لا تهتز صورته عند الناس في حالة الفشل.

لقد أخطأت القيادات الشيعية حين وافقت على هذه الصيغة، وأخطأت أكثر عندما تنافست فيما بينها على التقرب من المرجعية ليتقوى أحدها على الآخر. وهذا ما جعلها تبالغ في الطاعة ليس عن قناعة في حالات كثيرة، إنما لنيل الرضا والفوز بالقبول من لدن المكتب. وقد تعرضت الكتل الشيعية لنقمة الشارع ـ وهي تستحق ذلك طبعاً ـ بينما نجى مكتب المرجعية من اللوم، مع أنه صانع القرارات والتوجيهات واختيار رؤساء الحكومات ودعم من تريد وإقصاء من لا تريده.

وحين أعلن المرجع الأعلى السيد السيستاني غلق بابه بوجه قادة الكتل السياسية، فان بوابات وقنوات المكتب ظلت مفتوحة ومؤثرة وفاعلة في القرارات والترشيحات والتقييمات. وهذا يعني أن فكرة الابتعاد والانعزال لم تتحقق عملياً، إنما تورات بباب السيد السيستاني، وظهرت من بوابات خلفية عديدة، فظلت الأخطاء تتراكم بمشاركة قوية ومسؤولة من مكتبه.

لقد حدثت الأخطاء الكبيرة طوال السنوات الماضية بمشاركة المكتب، وحين اقتربت الانتخابات الجديدة، فان مكتب السيد السيستاني يريد أن يعالج الأخطاء بطريقة واضحة الخطأ، بل تصل لمستوى الكارثة. فلقد تدخل المكتب بدعم قانون الانتخابات الجديد، وهو القانون الذي يحرم الشيعة من عشرين مقعداً على أقل تقدير لصالح السنة.

كما أن مكتب المرجعية يخطط لدعم قوائم جديدة، مع أن المشكلة ليست في القائمة والكتلة والوجوه، فما ارتكبه السابقون سيقع فيه اللاحقون، وقد لاحظنا أن معظم تشكيلات الدولة الرئاسية والوزارية والبرلمانية من الوجوه الجديدة، ورغم ذلك نال الشيعة الحيف أكثر من السابق، وصاروا على شفا كارثة كبيرة، وإزداد التدهور في العراق اضعافاً مضاعفة.

ما نأمله، أن يتخلى مكتب المرجعية عن توجهاته وعمله وسلوكه ككتلة سياسية (غير معلنة) وان يفتح الباب أمام النخب والشخصيات الشيعية للقاء المرجع الأعلى السيد السيستاني، وتداول خيارات الحل معه، ليصدر الحل منه مستنداً الى تقييمات موضوعية ورؤى دقيقة ميدانية.

لقد كان المكتب مشاركاً اساسياً في كل الذي حصل، وعليه أن يتحمل اللوم بنفس درجة اللوم الذي يقع على القيادات الشيعية وربما أكثر.

٢٢ نيسان ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani