القائمة إغلاق

الشيعة والمرجع.. الحل أو الخراب

سليم الحسني

يمتلك شيعة العراق عنصر قوة لا يتوفر عند غيرهم من المكونات، وهو الارتباط الوثيق بمراجع الدين.

لكن هذا الارتباط لا يجعلهم على الدوام قوة مؤثرة متماسكة، لأن خط العلاقة بينهم وبين المرجع له اتجاه واحد. وهذا ما يجعلهم قوة جبارة عندما يعرف المرجع كيف يقودهم. وفي المقابل فانهم يقعون في حالة التدمير الذاتي عندما يعجز المرجع في قيادته لهم. وهكذا فان المسؤولية كلها تقع على المرجع في صناعة قوة الشيعة أو تدميرها.

في ضوء هذا الواقع المستند على قرون من الزمن والقائم على بناء عقائدي، لا يمكن تحميل الجمهور الشيعي مسؤولية الخلل، وسيكون من الظلم إلقاء اللوم عليه في محطات الانكسار والتراجع والاخفاق، إنه جمهور تنفيذي مخلص، يستجيب ـ عادة ـ لرأي المرجع بسرعة فائقة، ويسير بالطريق الذي يؤشر عليه حتى وإن مرّ على العذاب والموت.

وقد تعمقت هذه العلاقة الشيعية في طاعة المرجع والالتزام بتوجيهاته بعد سقوط النظام الدكتاتوري، فقد فتحت أجواء الحرية، البوابة الأوسع ليمضي الشيعة في الاستجابة والامتثال للمرجع من دون خوف.

لقد برهن شيعة العراق على طاعتهم للمرجعية عندما تحدد لهم الطريق والاتجاه بصورة شاخصة. وهذا ما سجّلوه على الأرض في المشاركة الانتخابية والتصويت على الدستور والاستجابة لفتوى الجهاد الكفائي، وهي أهم المحطات بعد سقوط النظام.

وكان من نتائج الإخلاص الشيعي لمرجعيته، وصول السيد السيستاني الى العالمية واصبحت الحكومات الإقليمية والدولية تنظر اليه على أنه صاحب نفوذ اسطوري في العراق، وأن كلمة واحدة منه تغير مسار الأحداث. أي أن الجمهور الشيعي باخلاصه وطاعته، وضع المرجع في أعلى منصة قيادية ذات هيبة طاغية، فنظر اليه العالم باعجاب وذهول.

لكن الذي حدث بعد ذلك كان أمراً صاعقاً في تحولاته، فبعد ان بلغت مكانة المرجعية ذروة التأثير على الحياة السياسية، تخلت عن دورها تاركة الشيعة في ما يشبه الضياع.

حدث ذلك بعد أن غضب المرجع الأعلى على الطبقة السياسية، وقرر أن يعاقبهم بالاحتجاب، لكن العقوبة جاءت على الشيعة، فدفعوا الثمن مضاعفاً، مرة من جراء التدهور السياسي العام، وأخرى من ابتعاد المرجع عنهم. بينما كان الموقف المتوقع في مثل هذه الحالات، ان تُقابل مقاطعة الطبقة السياسية بفتح المزيد من أبواب اللقاء مع الجمهور الشيعي ممثلاً بنخبه وكفاءاته وشخصياته.

إن تسليط النظر على أسباب هذا التحول، يجعلنا نضع اليد على مفصل مهم في خط العلاقة بين الشيعة والمرجعية، وهو المتمثل في المكتب. فقد اخذ المسؤولون في المكتب دور المرجع الأعلى في التدخل بتفاصيل حساسة من العملية السياسية، وفي نفس الوقت بنوا جداراً عالياً رصفوا حجارته بعناية الحريص، فلم يعد بمقدور النخب الشيعية لقاء المرجع والتداول معه بشؤون الأوضاع الجارية ومخاطرها. وبذلك انقطع الممر التاريخي بين المرجع وجمهوره، فكان الضياع المعتم الذي دخل فيه الشيعة في السنوات الأخيرة.

ورغم تشاؤمية الصورة الحالية، إلا أن طرق الحل تبقى متاحة، فيما لو عاش المسؤولون على المكتب المسؤولية الأخلاقية وأحسوا بمعاناة الشيعة وما يتهددهم من مخاطر. وهذا ما يستدعي هدم جدار الفصل المصلحي، والسماح للنخب الشيعية بالتداول مع المرجع الأعلى في المخاطر والتحديات ومن ثم كتابة ورقة الحل التي ستأخذ تأثيرها من خلال تبني المرجعية لها. ولدى الشيعة كفاءات عالية يمكنها معالجة الأخطاء بواقعية عالية وباخلاص كبير، يسفر عن حلول دقيقة للمشاكل، وعن تحصينات قوية أمام التحديات.

٧ أغسطس ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani