القائمة إغلاق

الشيعة والسياسة.. أخطاء المكتب والقادة

سليم الحسني

في اليوم الذي سقط فيه صدام عام ٢٠٠٣، فتح التاريخ بوابته الواسعة أمام شيعة العراق ليعيشوا الحرية ويصنعوا مستقبلهم. وفي تجارب الماضين فان التاريخ يفعل ذلك في حالات نادرة وعلى فترات بعيدة الفواصل.

كان التاريخ سخياً مفرط الكرم مع الشيعة، وكأنه يمنحهم التعويض عن قرون القهر والظلم التي عاشوها، فترك لهم خيار الفعل والقرار ولم يكن بمقدوره أن يقدّم لهم أكثر من ذلك.

كانت الأسباب الموضوعية طيّعة لدى الشيعة، فهي كامنة فيهم مستقرة في وجدانهم وحياتهم وسلوكهم، وأبرزها علاقتهم العقائدية بالمرجعية الدينية. فقد أطلقت لهم أجواء ما بعد سقوط الدكتاتورية، حرية التعبير عن طاعتهم وولائهم لها، وكانوا أصدق الصادقين من بين كل أقوام الأرض في هذا المجال.

وهكذا وقف الشيعة على القمة من حيث عناصر الانطلاق نحو البناء، حتى أن المجتمع العربي والقيادات السنية في العراق وخارجه راحت تندب واقعها لعدم وجود مرجعية دينية لها على شاكلة الشيعة. وقد خرجوا جميعاً بنتيجة مشتركة بأن الزمن القادم هو زمن الشيعة في العراق.

لم يكن للتاريخ بعد ذلك عنصر آخر يمنحه، كان ذلك كل شيء، فجلس غير بعيد يرصد الأحداث ويسجلها ليحاججهم بها بعد حين، ويتلوها بلسانه الفصيح على الأجيال.

لم تمض سوى أشهر قليلة حتى بدأ الإرتباك يطبع القيادات السياسية والدينية للشيعة. فقد اتجهت انظار الفئتين الى القرار السياسي، وتركتا الشيعة يتعلقون بالآمال والأمنيات. وهنا اكتشف أعداء الشيعة المحليون والدوليون أن تقديراتهم لم تكن دقيقة، وأن فرصة الانقضاض على القوة الشيعية متوفرة. والأعداء بحكم الخبرة لا يضيعون الفرص.

بدأ التخريب الناعم يجري وسط الجمهور الشيعي من خلال صناعة مرجعيات طارئة واتجاهات مشبوهة وأفكار هدّامة وتشكيلات عميقة. ولم يمنح مكتب المرجعية اهتمامه لتلك الظواهر، وتركها تنمو وتتوسع وتتشعب من دون أن يتصدى لمواجهتها، وهذا ما شجع أعداء التشيع على المضي بهذا الطريق لأنهم يعرفون أن يوماً سيأتي تكون فيه نتائج التخريب الفكري غنية الثمار، وستتحول الى سموم فتاكة في الجسم الشيعي.

دخل مكتب المرجعية بالعملية السياسية بعمقها، فكان يعين ويعزل رؤساء الوزارات، ويتدخل في مفاصل حساسة، فيزيد الأوضاع ارباكاً، ومن ذلك دعمه لفوضى التظاهرات التشرينية، ومن قبلها تثبيط الناس عن المشاركة في انتخابات ٢٠١٨ والتي أفرزت نتائج مشوهة بالتزوير الصارخ.

القيادات السياسية ـ في الوقت نفسه ـ اغرقتها حسابات السلطة وصراعاتها مع بعضها البعض، فكانت عملية بناء المجتمع بعيدة عن برامجها. فصراع السلطة يعمي الأبصار ويفتح رغبة مجنونة في البحث عن عوامل القوة من مال ونفوذ.

وفوق مكتب المرجعية والقيادات السياسية، كانت أمريكا الخبيرة بصناعة الأزمات، تضع أسباب الخراب وتترك إشعالها لأطراف الساحة فتشتعل الأزمات سريعة لاهبة.

الجمهور الشيعي المسكين، ظل لفترة من الزمن يؤدي واجباته على اصدق وجه الى المرجعية في الولاء والطاعة، والى السياسيين في التصويت والتأييد، وفي الحالتين تنازل عن المطالبة بحقوقه، ولم يتنبه الى ذلك إلا بعد أن عضه الجوع وصدمته النهاية الموجعة.

مكتب المرجعية والقيادات السياسية وقعا في الأخطاء الفادحة، وتسببا بالمشاكل التي تضرب الساحة الشيعية اليوم، إنهما يتقاسمان الأسباب ولا يمكن تبرئة أحدهما وإدانة الآخر، ولا يمكن تخفيف الحكم عن أحدهما وزيادته على الثاني. لقد اشتركا في المسؤولية على ما حدث، وخضعا لتوجهاتهما الخاصة على حساب مصلحة الشيعة.

الشيعي الجالس على القلق والمخاطر لا يعرف ما سيكون عليه الغد، فهو الذي دفع تكاليف الخطأ المشترك بين مكتب المرجعية والقيادات السياسية. والشيعي المظلوم سابقاً، يفتح عينيه الآن على صرخة التاريخ الغاضبة وفيها لهجة اللوم القاسية: لقد أديتَ واجباتك، لكنك تنازلتَ عن حقوقك ولا تزال تتنازل فحالك هذا انت صنعته، وانت وحدك تستطيع تغييره أو تنحدر الى أشد منه مرارة.

عندما نريد ان نبحث عن الحل، لابد ان تكون هذه هي النقطة الأولى ـ بتصوري الشخصي ـ أي ان نضع اللوم على الاثنين معاً مكتب المرجعية والقيادات السياسية، ثم نتوجه الى مطالبة مكتب المرجع الأعلى أن يغيّر نهجه السابق، وأن يفتح الباب أمام الكوادر والكفاءات والشخصيات الشيعية لتجلس مع السيد السيستاني وتخرج بهيئة قرار شيعي يضع الحل والتصورات، وعند ذاك لا تستطيع أي قيادة سياسية ان تعصي أو تتمرد لأنها ستكون خارجة عن طاعة المرجعية وخارجة عن إرادة الشيعة. وما أكثر كفاءات الشيعة التي لم تتلوث بالفساد، وما أعظم عقلياتها وأعمق آرائها لو استمعوا اليها، إنها قادرة على الحل الموضوعي الواقعي وإنقاذ الحال الى مستوى التطلعات والطموح.

١٠ أغسطس ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani