القائمة إغلاق

خطوة الدستور.. خطأ الشيعة الأكبر

سليم الحسني

بدأت إضاعة الفرص بعد أشهر قليلة من سقوط نظام صدام على يد الاحتلال الأمريكي. وشكّلت دعوة كتابة الدستور والتصويت عليه هي أولى الخطوات نحو عراق غير مستقر.

كانت سلطة الاحتلال تريد إقرار الدستور بسرعة، وهذا ما تعتمده دول الإحتلال عادة، لتضمن بقاءها وتحكمها من وراء المواد الدستورية، لكن أمريكا لم تظهر الحماس لذلك خوفاً من تجدد المطالبة الشيعية القديمة على عهد الاحتلال البريطاني حين أراد مراجع الشيعة انهاء الإحتلال قبل كتابة الدستور. كما أن أمريكا كانت تتوقع ان كتابة الدستور تحت سلطة الاحتلال صار أمراً مرفوضاً عند الشعوب لكثرة ما تكررت تجارب الفشل وتكشّفت العيوب.

لكن المفاجأة التي لم تحلم بها أمريكا، ان الإسراع بكتابة الدستور جاء من القيادة الشيعية، وكان ذلك أثمن هدية لها في تحقيق ما تريد. وربما لم تفكر بان القرار جاء نتيجة نقص في قراءة التجارب، فتصورته أنه انسجام مع توجهاتها.

إن قراءة تجارب الشعوب والدول في زمن الاحتلال وبعده، يُعطي للقارئ صورة واضحة عن نموذجين:

ـ دول استقرت فيها الحياة الدستورية والديمقراطية وهي التي كتبت دساتيرها بعد خروج المحتل، ومثالها الهند التي طرحت دستورها للتصويت بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على انهاء الاحتلال البريطاني.

ـ دول عاشت القلق والهشاشة السياسية وصولاً الى الحرب الأهلية، وهي التي كتبت دساتيرها أثناء فترة الاحتلال، ومثالها لبنان.

هذه النقطة المفصلية في حياة العراق بعد سقوط النظام كانت تستوجب عناية خاصة من القيادة الشيعية، بان تستعين بأهل الاختصاص والخبرة السياسية والعقول الأكاديمية لمعرفة رأيهم في التوقيت المناسب لكتابة الدستور. ولو أنها استعانت بهم واحترمت آراءهم، لنصحوها بالتريث، ليكون التأجيل هنا عنصر ضغط باتجاه انهاء الاحتلال بأقصر فترة ممكنة، إضافة الى اختبار صيغة دستورية مؤقتة تفسح المجال لتجربتها عملياً ومن ثم معالجة ثغراتها في الدستور الدائم.

 لكن ذلك لم يحدث للأسف، فالصياغات الإدارية في جهاز المرجعية العليا لا تسمح لأهل الاختصاص من بحث القضايا الكبيرة مع المرجع الأعلى، إنما تخضع الأمور لتصورات المكتب وحساباته. وهكذا اتخذ السيد السيستاني قراره، فكان الدعامة المعوجة التي قامت عليها العملية السياسية بكتابة الدستور تحت سلطة الاحتلال.

وقد جاء الدستور العراقي نسخة مشوهة عن الدستور اللبناني في التقسيم الطائفي للسلطة.

قبيل الاحتلال الأمريكي للعراق، كان المرحوم مجيد الخوئي يدعو الى اعتماد النموذج اللبناني في الدستور العراقي الجديد، وكان الخوئي الابن رجل أمريكا المعمم الذي اعتمدت عليه لتهيئة النجف الأشرف معنوياً لصالحها. لكن حركة الخوئي تلك لم تنجح قبل سقوط النظام، فقد كانت هناك توجهات معارضة لها بشدة. ولم يتوقع الذين عارضوها قبل السقوط، أنهم سيجدونها أمامهم يجري كتابتها والترويج لها والدعوة للتصويت عليها.

كانت المادة التي داعبت المشاعر الشيعية هي المتعلقة بالكتلة الأكبر لرئاسة الحكومة. وقد كان لها رنينها الناعم الذي رقصوا عليه ظناً بانها ضمانة الخروج من الظلم والتهميش، ولم يعرفوا أنها كانت مجرد تخدير مؤقت وسيجري تمييعها مع الزمن، كما أنها لا تعني شيئاً مهماً في ظل التوافقات البرلمانية، وأنها ستفرز حكومة مقيدة بالتوازنات، مشلولة بالاتفاقات.

كانت أمريكا تريد شكلاً قانونياً في رئاسة الحكومة يخدّر الشيعة، وقد جاء الدستور طبقاً لما خططت وأرادت وفرضت، ولم تكن التفاصيل بعد ذلك تهمها كثيراً، فالنقطة الجوهرية عندها أن لا يكون للعراق نظام رئاسي يشكّل السلطة التنفيذية، وهذا ما نجحت فيه.

يبدو أن مكتب المرجعية تحمس لصيغة الدستور ومواده، لأنه شعر بأن تسمية رئيس الوزراء ستكون بعيدة عن اختيار الشعب، وبذلك سيكون رأيه حاضراً بقوة في الاختيار والتكليف والاقصاء.

بعد سنوات كان هذا هو ما يجري.

١٢ أغسطس ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani