القائمة إغلاق

بعد طالبان، حرب في الطريق

سليم الحسني

بالمنطق الثوري فان أمريكا انسحبت مهزومة من أفغانستان. وبالمنطق السياسي فان أسباب الانسحاب تختفي تحت طبقات سميكة من الحسابات المعقدة.

الانسحاب لم يكن مفاجئاً فقد جاء بعد اتفاق أمريكا مع حركة طالبان، وما يمكن اعتباره مفاجأة هو تقديم الموعد عدة أسابيع عن موعده المقرر في ١١ أيلول.

خلق الانسحاب الأمريكي فرحة طاغية عند الحكومة الإيرانية، وقد اعتبرت ذلك مكسباً مهماً لها، فقد انسحبت قوات عدوها الأول من دولة مجاورة، وجاءت على إثره حركة طالبان التي تربطها بها علاقة قوية خصوصاً وانها دعمت طالبان في السنوات الماضية ومكّنتها من البقاء على قيد الحياة في معاركها ضد القوات الامريكية في أفغانستان.

لن تظهر نتائج الانسحاب الأمريكي سريعة على أفغانستان، فحركة طالبان ستكون بحاجة الى فترة زمنية تفرض فيها وجودها وتنظم شؤونها في بسط نفوذها كسلطة حاكمة. وبعد ذلك تعود الى سابق عهدها في طريقة حكم البلاد واستيعاب الجماعات التكفيرية وتهيئة عناصر الإرهاب.

إن ما يقال عن اتفاقات طالبان وتعهداتها بعدم تكرار سياساتها السابقة، هو أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الموضوع. فكيف يمكن الركون الى اتفاق مع حركة عقائدية مسلحة يمكن أن تتغير قياداتها فجأة فتشطب على كل الاتفاقات السابقة. هذا على فرض ان القيادة الحالية لا تتراجع عن اتفاقاتها تحت ضغط أجواء العقيدة المتطرفة التي تقوم عليها والتي تمثل أساس تشكيلها ووجودها.

طالبان حركة عقائدية قبل أن تكون سلطة، وهي تتعامل مع الحكم على أنه في خدمة الحركة وليس من أجل إدارة الدولة. وقد لاحظ العالم نموذجاً مخففاً على ذلك في حركة الاخوان المسلمين عندما حكموا مصر، فرغم مظهرهم الأقل تشدداً والأقل عنفاً من طالبان، ورغم وجود شخصيات سياسية منفتحة على أجواء الدولة العلاقات الدولية والنظم السياسية، إلا انهم أرادو جعل مصر جزءاً من الحركة وفي خدمتها. فكيف سيكون الحال بالنسبة لطالبان الحركة المغلقة المتشددة حين تسيطر على بلاد فقيرة متخلفة يمثل السلاح والقتال فيها سلوكاً متوارثاً وثقافة سائدة؟

إن الاتفاقات في الساحة الأفغانية هي أكثر الحالات المتغيرة فيها. فطوال فترة الاحتلال السوفيتي وما بعده كانت الاتفاقات تعقد باستمرار بين القيادات الأفغانية، ثم سرعان ما تتفكك باتفاقات جديدة يتحول فيها المتحالفون الى أعداء يقتل بعضهم بعضاً. وكان ذلك حالة طبيعية بين الفصائل الأفغانية بحيث لا يشكّل الخروج من الاتفاق والعودة اليه عقدة عند القيادات المسلحة، وهذا ما جعل معادلة القوة والضعف متغيرة في أفغانستان.

 أغلب الظن أن أمريكا التي عرفت الساحة الأفغانية استفادت من تجاربها، فصممت انسحابها على هذا الأساس وهي تعرف أن اتفاقها مع طالبان لا قيمة له. بل أنها في حقيقة توجهاتها لا تريد أن يكون له قيمة، لأن طالبان المتمردة المتشددة هي ما تسعى اليه أمريكا وليس طالبان الهادئة المتعقلة.

لقد كانت أمريكا وراء انشاء تنظيم القاعدة، ثم أنشأت تنظيم داعش ورعته ووفرت له أسباب القوة حين أوكلت للسعودية وقطر والامارات دعمه، وكان المطلوب من داعش تدمير سوريا ثم تدمير العراق. لكن اخفاق داعش في إتمام مهمته في العراق نتيجة بطولات الحشد الشعبي والقوات العراقية، جعلها تفكر بإعادة انتاج التجربة الإرهابية بتعديلات شكلية ومن افغانستان أيضاً باعتبارها معسكر الإرهاب ومصنعه الأول.

وقد جاء التعديل بإعادة القوة الى حركة طالبان وفتح طريق السلطة لها لتبسط نفوذها بسرعة وسهولة من دون خسائر، وبعد ذلك تثبّت مواقعها في أفغانستان كسلطة حكومية رسمية. وبذلك يمكنها أن تُنتج الإرهاب رسمياً، ويمكنها بعد سنوات أن تشن الحروب رسميا على دول الجوار.

ليس مستبعداً ان إسرائيل التي خططت كثيراً لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وضغطت كثيراً على أمريكا في ذلك، ستجد في أفغانستان الطالبانية أفضل موقع لتوجيه الضربات الى إيران. ولن يكون الأمر عسيراً من حيث خلق المبررات. ولن تكون مستلزمات الحرب صعبة، فالامارات والسعودية وقطر سخية عندما يكون الهدف إيران، والخبرات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ستكون محمية بالغطاء الرسمي الأفغاني.

مهما بذلت ايران من محاولات استيعاب حركة طالبان، فانها لن تنجح في ذلك، ولن تنجح حتى في تحييدها، فهناك الحاجز العقائدي أولاً الذي يمثل الثابت الكبير عند طالبان، وهناك العامل المالي والترابط المصلحي والوجداني بين طالبان والخليجيين ثانياً.

١٧ آب ٢٠٢١

لمتابعة مقالاتي على تليغرام:

https://t.me/saleemalhasani