القائمة إغلاق

من مكة الى كربلاء

سليم الحسني

بعيدة هي المسافة بين مكة وكربلاء. إنها أطول من المسافة بين العزة والهوان. رمال تملأ الأفق. موحشة في النهار، وموحشة في الليل أكثر. لكنها الطريق الوحيد نحو حياة دين وكرامة أمة.

قالوا له: لا تذهب يا ابن رسول الله، ستجد الخذلان ويلاقيك الموت.

كان يعلم ذلك بيقين الصادقين، وهذا ما زاده إصراراً على المضي. لقد أراد أن يلاقي مصرعه، لا أن ينتظر الموت على الفراش. وكيف ينتظر ابن عليّ ميتة الفراش وهو يرى الدين صار لعبة يتلّعب بها صبيان بني أمية؟ وهل يخيف الموت ابن الكرار حيدر؟

كانوا يخشون عليه الغدر، قالوا له: لا أمان للقوم في الكوفة، لقد غدروا بابيك.

لم يتراجع، فليس الخبر جديداً عليه، وهو الذي سمع صرخة أبيه في المسجد: (فزتُ ورب الكعبة)، فكيف يتراجع عن الذهاب الى بلد فاز فيه عليّ أكبر الفوز؟

إنكم أيها الناصحون تزيدونه إصراراً على الطريق، فالقتل لمثل الحسين خلود. لو تعلمون ما أولههُ الى أسلافه لما قلتم له حرفاً.

هذه نصائح أهل الدنيا لأهل الدنيا.. لقد أخطأتم التقدير فليس مثل هذا يقال للحسين.

أنتم تعيشون الدنيا، أرواحكم أسيرة الخوف، وقلوبكم حبيسة الأضلع. أما الحسين فهو الحرّ الأعلى، لا تحيطه الجدران، ولا تأسر روحه الدنيا، ولا يحجر قلبه صدر، إنه الكون أيها الناس برحابته، إنه الفضاء بسعته.

آه لو تعلمون ما تنطوي عليه روح ابن الزهراء، لقطعتم ألسنتكم قبل أن تكلموه بالقعود.

آه، لو تدركون كم جرحتم شعوره بحديثكم، لضربتم رؤوسكم بجبال مكة ندماً. لقد أردتموه جليس الدار، يماشي ما يجري على المسلمين، والحسين وُلد ليكون نداء الحق وصرخته. لقد خلقه الله لينصر دينه، ليحيي سنّة جده، لينفخ في الخَلق روح الكرامة.

نصحتم أنفسكم أيها الناس بما ترغبون، ونصحكم الحسين بأبلغ نصيحة حين مضى في طريقه نحو كربلاء.

ستمر عليكم أيها الناصحون بضعة شهور، تدركون صدقه وصوابه. وستندمون كثيراً لأنكم لم تلحقوا به، ففي كربلاء أدرككم الموت، وفيها عاش الحسين وأصحابه وداروا على الدهور شمساً وقمراً وروحاً وحياة.

٢٦ تموز ٢٠٢٢

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani