القائمة إغلاق

ما قبل النشر/ ٧ حماس الدعوة أمام واقعية السيد فضل الله

سليم الحسني

منذ أوائل الثمانينات كانت زيارات المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله لإيران متقاربة، وكان جدوله في تلك الزيارات أن ألتقيه يومياً من الساعة الثامنة صباحاً الى العاشرة.

كانت الأحاديث تتنوع وتتشعب، عن حزب الدعوة الإسلامية، والمعارضة العراقية والفكر والثقافة والسياسة.

في إحدى زياراته قدمتُ له كتابي (المعارضة العراقية، رؤية من خلال الشعر) وكان رحمه الله قد كتب مقدمة الكتاب. ولأن فيه استشهادات نقدية عن قصائد من فترة الستينات، فان ذكرياته عن تلك المرحلة جرت على لسانه، وراح يحدثني عن عمل حزب الدعوة الإسلامية في تلك السنين الصعبة، وكيف أنه كان حركة لها وزنها وثقلها، استطاعت أن تغيّر وجه العراق وتنقل أجواءه من الركود والخمول الى أجواء الوعي والمبادرة.

تحدث عن كتابه (إسلوب الدعوة في القرآن) وقال بأن أجواء العمل الحركي هي التي جعلته يكتب ذلك الكتاب، وأن تلك الأجواء وما بعدها هي التي مكّنته من تأليف (قضايانا على ضوء الإسلام)، وكان يشير أن تلك المرحلة هي التي صنعته وصنعت غيره بحكم المعاناة والاندكاك مع واقع ما كان يجري.

ثم دار الكلام عن الفهم الواقعي والفهم النظري، فأخذ يتحدث بلهجة فيها قدر واضح من رغبة المراجعة الجادة، وأشار الى ان الفهم النظري بعد فترة من العمل صار يطغى على الفهم الواقعي. وأذكر كلمته بنصها: (نشرات الدعوة أخذت تميل الى التجريد).

هزّتني كلمته، فلم نكن وقتها نتقبل رأي من يقول بأن النشرة قاصرة. كانت مقاييسنا تقوم على نظام صارم يدور حول النشرة باعتبار أن (صوت الدعوة هي النبراس) تلك المقولة المتداولة في أجوائنا، محاطة بهالة من القدسية والفخامة والسمو في طبقات عليا لا تقبل النيل والقدح.

ثم جاءت هزة عنيفة أخرى وهو يتحدث بطريقته الهادئة التي يملك بها روح السامع وعقله. فحين سألته عن رأيه في (المرحلية) المعتمدة من قبل حزب الدعوة كخط استراتيجي في كفاحه. أجاب بأن المرحلية كفكرة صحيحة، لكن ليس بهذه الطريقة الهندسية التي اعتمدتها الدعوة.

لم يؤثر بي رأي السيد فضل الله، فلقد عشتُ وكبرت على صحة هذه النظرية فكيف أتخلى عنها بسهولة؟ لكنني بعد أن تركت العمل الحزبي، صرتُ أنظر الى السنوات الماضية على أنها كانت تحلّق بعيداً عن الواقع.

كان حزب الدعوة ناجحاً الى أبعد المستويات في عمله التغييري وسط المجتمع، لكن تقديراته السياسية لم تكن واقعية. كان الفهم النظري قد غلب على الفهم الواقعي، فكان ما كان.

للحديث تتمة

٩ كانون الأول ٢٠٢٢

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani