القائمة إغلاق

السيد الفاسد، إنّي أعتذر

سليم الحسني

قرأتُ على بعض وسائل التواصل الاجتماعي مذكرة قضائية ضدي، قمتَ سيادتك برفعها. وبحسب قواعد العراق الجديد، فالحق معك. أما أنا فقد خضتُ بالباطل خوضاً حين اعترضتُ وكتبت.

لا تؤاخذني أيها السيد الفاسد على تصرفي السيء. لقد كتبتُ عن فسادك ونشرته علناً. لم أكن أعرف أن هذا التصرف مني صار مخالفاً للأخلاق والذوق العام في العراق. فأنا رجل قديم في عاداتي وأفكاري وفهمي للحياة.

لقد بقيتُ على تلك العادات والتقاليد التي ترى بأن السرقة حرام وعيب وعمل مُخجل. لقد تغيّرتْ الأوضاع في العراق، ولم أنتبه الى هذا التغيّر. بقيتُ على نمط السلوك السابق بكل قِدمه وترابه وألوانه العتيقة. لم أتجرأ على إزالة التراب وغبار السنين، كما لم أستخدم طلاءً جديداً لأخفي فيه ألوان عمري وعقلي السابقة، وذلك خطأ كبير وقعتُ فيه كما يبدو.

سيادة الفاسد الكبير، أنت تتعامل بروحية العصر العراقي. بحداثته التي صنعتها أنت وجماعتك بمثابرة وإصرار. لكنك تتحمل قدراً بسيطاً من المسؤولية، فلقد كنتُ أسمعكم جميعاً تستنكرون الفساد والسرقة، فظننتُ بكم الصدق، وهذا خطأ آخر أعترف به.

كان الأجدر بي أن أعرف بأن السرقة صارت سلوكاً محترماً، لا يُعاب عليه مرتكبها. وأن كلمات الشجب والاستنكار هي من متطلبات المجاملة اليومية الخاصة بكم فقط، ولا يحق لغيركم أن يستنكر أو يعترض.

أعرفُ أن الاعتذار لا يجدي أمام سيادة القانون الصارمة. وأعرف أن تراجعي عن موقفي لن يشفع لي أبداً، فجريمتي مما لا تغفره الشريعة الجديدة.

إجعلني يا حضرة الفاسد عبرةً شاخصة أمام كل عين. صيّرني إمثولة بائسة لمن لايعرف موازين أخلاقكم ودينكم وقيمكم الجديدة. فأنت بهذا ستنهض بالكثير من الذين بقوا على جلودهم القديمة، واحتفظوا بغبار السنين على رؤوسهم وفي أعماق صدورهم، وستجبرهم أن ينفضوا ذلك القديم التعس عنهم. وتلك مسؤوليتك ومسؤولية أمثالك المثابرين الذين حققوا الإنجاز الأكبر بإلغاء صفة العيب من السرقة.

مسألة بسيطة أضعها أمامك يا جناب الفاسد، إن هؤلاء القدماء من ذوي التاريخ العتيق بثيابه الرثّة، يموتون حين يتخلون عن غبار السنين القديمة. تنقطع أنفاسهم حين لا يشمّون أخلاق زمان. لكن لا تهتم، إنها مسألة تافهة لا تكترث بها يا حضرة الفاسد. أمض بطريقك، وإياكَ أن تتصور بأن هناك حفرة ستُلقى فيها ذات يوم.

١٥ كانون الأول ٢٠٢٢

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani