القائمة إغلاق

رحلة السوداني من البعث الى حزب الدعوة

سليم الحسني

باختيار السوداني لرئاسة الوزراء، وضع قادة الإطار أقدامهم على أول الطريق في مرحلة جديدة من الأخطاء. كانت حساباتهم قائمة على أساس التنازلات التي قدمها لهم، وتأكيده لكل واحد منهم بأنه سيكون طوع أمره ورهن إشارته، وأنه لن يرد له طلباً. وكان ذلك التنازل من السوداني هو الخمرة التي دارت بها رؤوس الإطار.

تاريخ السوداني يُعطي صورة واضحة عن توجهاته، فهو مع المنصب أينما كان وكيفما كانت الوسيلة الموصلة إليه. بدايته كانت مع حزب البعث حيث ينتمي الى عائلة بعثية، وقد وصل الى درجة (عضو عامل) في حزب البعث قبل سقوط نظام صدام. وحين حدث التغيير وجد بريق المستقبل يحيط بإياد علاوي المقرب من أمريكا صاحبة الأمر والنهي في العراق، فانضم اليه بسرعة قبل أن تمتلئ المقاعد. لكنه لم يجد عند علاوي ما يطمح إليه، فسرعان ما خفت بريقه، مما جعله يبحث عن جهة أخرى يحقق من خلالها طموحاته اللامحدودة. لقد كان يريد جسراً ثابتاً يمكن عبوره من دون اهتزاز في خطوات الطريق، فوجد في حزب الدعوة الاسلامية أفضل الجسور بحكم التعاطف الجماهيري الذي أظهرته الساحة في بداية فترة التغيير.

لم يكن بمقدور محمد شياع السوداني الانتماء الى حزب الدعوة (الأم) لكونه يتشدد في شروط الانتماء، وسينكشف انتماؤه البعثي لو حاول ذلك، فلجأ الى القسم المنشق عنه (تنظيم العراق) الذي كان يبحث عن أفراد ينتمون اليه سعياً للزيادة العددية. وقد فتح له خضير الخزاعي الباب ليدخل الى حزبه. وهنا نقطة جديرة بالتسجيل للتاريخ. فخضير الخزاعي عندما هاجر من العراق لم يكن منتمياً لحزب الدعوة. وحين وصل الى إيران كان الحزب يعيش أجواء الانشقاق بين جناح الشيخ الآصفي وهو الأكبر، وبين جناح الشيخ الكوراني الصغير. فتقرب من جناح الكوراني لعلمه بأنه يحتاج الى زيادة عددية ولن يدقق في السؤال والاستفسار الصارم كما حال جناح الآصفي. انضم خضير الخزاعي الى جناح الكوراني بفضل أحد أصدقائه شفقةً به. وحين ثبّت وضعه في هذا الجناح، جاء الى جناح الآصفي يطلب الانتماء وبذلك تجاوز حاجز الاستفسار والتدقيق.

ليست هذه الملاحظة عابرة، إنما هي مؤشر مهم على المسارات التي يسلكها أصحاب الطموحات الشخصية في تحقيق أغراضهم الذاتية.

مع حزب الدعوة تنظيم العراق، تخلص السوداني من ماضيه مع حزب البعث، فقد صار في مأمن مريح، وعليه أن يكمل الخطوات نحو التسلق، فما الحياة السياسية إلا فرصة يصنعها المغفلون، وعليه اقتناصها بخفة القِط. ولكي يكمل القصة حبكةً، إدعى أن والده من الشهداء، وكتب زوراً في سيرته الذاتية ان والده أعدم بتهمة الانتماء لحزب الدعوة، بينما هو معدوم لقضية اخرى لا علاقة لها بمعارضة النظام، فقد كان بعثياً مرموقاً في العمارة كما هو معروف لأهلها.

عن طريق حزب الدعوة والانتخابات المحلية، وصل السوداني الى منصب محافظ العمارة، إنه منصب مرموق بالنسبة له، لكنه ليس نهاية الطريق، فما ناله بالطرق الملتوية يمكن أن ينال أكبر منه بنفس المنهج.

لكن القدر هنا كان مبتسماً أمامه، فبعد ما يقرب من شهرين، طلب السيد مقتدى الصدر من رئيس الوزراء نوري المالكي أن يجد حلاً لكي يؤول منصب محافظ العمارة اليه، فوجد له المالكي الحل بأن عيّن شياع السوداني وزيراً لحقوق الانسان. لقد وضع له خضير الخزاعي الخطوة الأولى، وأكملها نوري المالكي، وهكذا كان حزب الدعوة بشقيه، صاحب الفضل الأكبر على بروز الشاب الطموح الذي يتحرّق شوقاً لبلوغ المناصب العالية.

تنقل السوداني على عدة مناصب وزارية، استطاع خلالها أن يبني جيوشاً الكترونية نشطة، كما حصل على ثروة جيدة مثل أي مسؤول ووزير في بلد صار فيه النهب سلوكاً مقبولاً، وأخرجته العملية السياسية من منطقة (العيب) الى منطقة (القبول)، وصار المعترض على الفساد، مُداناً يلاحقه القضاء وينفر منه الأصدقاء.

للمقال تتمة

٨ كانون الثاني ٢٠٢٣

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani