القائمة إغلاق

البعثي الذي طَهّرته الدعوة

سليم الحسني

في عام ٢٠١١ أُغتيل علي اللامي مدير هيئة المساءلة والعدالة، فجرى تكليف محمد شياع السوداني ليشغل منصب المغدور. وجد السوداني في هذا التكليف هبة القدر التي لا تقدر بثمن. لقد كان يقضي أيامه خوفاً من افتضاح وثيقة تتسرب من هيئة المساءلة والعدالة عن انتمائه البعثي، أما الآن فهو مدير الهيئة وسيقوم بإتلاف وثائق الإدانة وبذلك يحصل على تاريخ نظيف يمشي به في العملية السياسية بلا قلق.

كان معظم موظفي الهيئة من التيار الصدري، فلجأ السوداني الى فرض سلطته بإجراء تعديلات وظيفية واسعة يقلص فيها الصدريين. وقد أراد أن يباشر خطته بثقة المدير القوي، لكنه فوجئ برفض الصدريين وهم صغار الموظفين في الهيئة باعتراضهم عليه، ورفض قراراته.

كان موظفو التيار الصدري قد استنسخوا كامل أرشيف هيئة المساءلة والعدالة، ومن ضمنه وثيقة انتماء محمد شياع صبار السوداني الى حزب البعث العربي الاشتراكي بدرجة عضو عامل. فصارحوه بأن وثائق الإدانة التي سحبها من الأرشيف، يحتفظون بنسخة عنها، وإذا ما أراد إبعادهم عن الهيئة فان وثائق الإدانة ستأخذ طريقها للنشر.

تراجع السوداني بسرعة عن خطته، وتنازل للصدريين طائعاً هادئاً، فكان جليس مكتبه بعيداً عن الأضواء التي اعتاد اشعالها في مناصبه الأخرى.

لا زال التيار الصدري يحتفظ بتلك الوثيقة الثمينة والمرعبة، إنها السيف القاطع الذي يخشى السوداني أن يقطعوا به مستقبله السياسي من الوريد الى الوريد.

الوثيقة المكنونة عند الصدريين، حرز سحري يوقف السوداني بعيداً عن حدودهم، ولا يفكر في يوم من الأيام أن يقترب منهم بقرار يغضبهم، إنه يعلم جيداً أن الغضب الصدري سيتفجر عن وثيقة تملأ صورتها مواقع التواصل الاجتماعي في ساعة واحدة، وبذلك تكون نهاية أحلامه السياسية، وضياع جهوده وجيوشه الالكترونية وما أنفقه عليها على مدى سنوات عديدة.

لندع الوثيقة في مأمنها عند الصدريين، ونأتي على السيرة الذاتية التي كتبها السوداني بنفسه، حيث يقول:

(ولد في مدينة بغداد عام 1970، وعند بلوغه العاشرة من عمره في عام 1980 أعدم النظام الحاكم في عهد الرئيس صدام حسين والدهُ وخمسة من أفراد عائلته لانتمائهم إلى حزب الدعوة الإسلامية المحظور في حينها. شارك في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 وبسبب الظروف والمضايقات الأمنية انتقل للسكن في بغداد لمدة ثلاث سنين لحين إكمال دراسته الجامعية. وهو متزوج ولديهِ أربعة أولاد. حاصل على شهادة بكالوريوس في العلوم الزراعية من كلية الزراعة جامعة بغداد، وشهادة ماجستير في إدارة المشاريع).

لقد فات محمد شياع السوداني أن الدراسات العليا محرّمة أشد التحريم على عوائل شهداء حزب الدعوة حتى الدرجة الثالثة. فكيف حظي هو بهذا الاستثناء الخاص بحيث سمح له النظام بالحصول على شهادة الماجستير وهو من عائلة شهيد من شهداء حزب الدعوة كما يزعم؟

لنقرأ أيضاً ما كتبه في سيرته الذاتية حيث جاء فيها:

(عُيّن في عام 1997 في مديرية زراعة ميسان حيث أوكلت اليه مسؤوليات منها مسؤول زراعة ناحية كميت وعلي الشرقي وقسم الإنتاج النباتي والمهندس المشرف في البرنامج الوطني للبحوث مع منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة).

لقد فاته أن الوظائف محرّمة أيضاً على ابناء شهداء حزب الدعوة حتى الدرجة الثالثة، إلا إذا ثبت خضوعهم للسلامة الفكرية، والمقصود بها الإنتماء الى حزب البعث انتماء ولاء للقائد والحزب والثورة.

فات السوداني أيضاً أن المواقع التي شغلها كانت مواقع إدارية رأسية، وهي لا تعطى إلا للبعثيين خاصة ومن درجات حزبية متقدمة. هل يملك السوداني جواباً على ذلك، أو يقدّم لنا وثيقة استثناء خاصة حظي بها من دون غيره من الموظفين؟

السوداني بعثي مشمول بالمسائلة والعدالة. لكن حسابات السياسيين المتفرعة عن شجرة المصالح الذاتية، ألقت ظلالها عليه فأخفت تاريخه البعثي، وأوصلته الى أرفع المناصب في الدولة.

لقد أراد أن يُطهر ماضيه من البعث، فلجأ الى حزب الدعوة ومنه تنقل على المناصب حتى وصل الى رئاسة الوزراء. لكن التاريخ لا يُمحى بسهولة، وهذا ما سأفصل الحديث عنه في مقالات قادمة.

٩ كانون الثاني ٢٠٢٣

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani