القائمة إغلاق

فرنسا لم تسلّم والد السوداني، ابحثوا عن قصة أخرى

سليم الحسني

راجت معلومة مثيرة على نطاق غير صغير، ولا زلتُ اسمعها وتصلني عبر الرسائل الخاصة وفي التعليقات، كما لا زال غير يسمعها. مفادها أن المرحوم شياع صبار السوداني، والد رئيس الوزراء، سلّمته الحكومة الفرنسية الى نظام صدام حيث قام باعدامه لأنه كان معارضاً ينتمي الى حزب الدعوة الاسلامية.

تدور هذه المعلومة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يصدر أي توضيح من قبل ابنه السيد محمد شياع السوداني حول هذه القضية التي تخصه شخصياً وترتبط ارتباطاً مباشراً بواقعة لها مكانتها في سجل الجرائم الدولية التي ارتكبها نظام البعث الظالم.

هذه القصة المتداولة عن والد محمد شياع السوداني، لا صحة لها على الاطلاق. إنها رواية مصطنعة جرى تأليفها ومن ثم زجها في حادثة كبيرة معروفة، وهو اسلوب تم اعتماده منذ زمن بعيد وبرع فيه القصاصون والوضّاعون فشوهوا التاريخ وقلبوا الحقائق وتلاعبوا بالعقول.

وسأبيّن في هذه السطور أدلتي على كذبها:

كتب محمد شياع السوداني في سيرته الذاتية في ويكيبيديا أن والده أُعدم عام ١٩٨٠. أي أن حادثة الإعدام وقعت قبل حادثة تسليم فرنسا للمعارضين بنحو ست سنوات.

ولكي أتأكد أكثر من هذا الموضوع، على احتمال أن تاريخ اعدامه لم يكن دقيقاً، فأن حادثة التسليم كنتُ مهتماً بها بشكل شخصي وقت وقوعها. للعلاقة القديمة التي تربطني بالدكتور فوزي حمزة، ولعلاقته الوثيقة مع شقيقي الأكبر الأستاذ السيد (أبو هشام). فقد دارت الهواجس في نفسي بأن وحشية التعذيب التي ستمارس بحق الدكتور فوزي قد تجبره على الاعتراف فتصل السلسلة الى أخوتي وأهلي. لكن الوقائع برهنت أنه كان صلباً صامداً قوياً أمام الجلادين، وتلك صفحة مشرقة من تاريخه الناصع حفظه الله.

لقد سلّمت الحكومة الفرنسية الدكتور فوزي حمزة وشخص آخر هو (محمد خير الدين) الى نظام صدام بتاريخ ١٧ شباط ١٩٨٦، وسط ضجة اعلامية رافقت الحدث وغطته وسائل الإعلام الدولية. ولم يكن اسم شياع السوداني وراداً فيها، ولا أي شخص ثالث، وكان التركيز بالدرجة الأساس على الدكتور فوزي حمزة.

ظلت قضية التسليم تتفاعل إعلامياً، حيث واجهت الحكومة الفرنسية برئاسة فابيوس انتقادات شديدة واستقال منها وزير الداخلية، وكانت سبباً من أسباب فشلها في الانتخابات، ومجيئ جاك شيراك الى رئاسة الوزراء. وقد مارس شيراك ضغوطه وعلاقاته مع صدام حسين لإعادة المعارضين (فوزي حمزة ومحمد خير الدين) الى فرنسا، خصوصاً وأن الرئيس ميتران أنتقد بشدة تسليمهما الى العراق، ووصف العملية بأنها (كانت خطأ فادحاً وعملاً مروّعاً).

يوم ٢٦ أيلول ١٩٨٦، حطت الطائرة في مطار شارل ديغول بباريس، وكان المراسلون محتشدين لتغطية الحدث، وتوجهوا بسؤال الى الدكتور فوزي حمزة:

ـ ماذا ستفعل بعد نجاتك من نظام صدام؟

أجابهم بعبارة كانت مذهلة للإعلاميين: (أواصل معارضتي لصدام).

هذه هي خلاصة قضية تسليم المعارضين لنظام صدام، ولا وجود على الاطلاق لإسم (شياع صبار السوداني) فيها وفي وثائقها الرسمية عند الحكومة الفرنسية ولا في وسائل الإعلام والصحافة الدولية والعراقية.

لقد تم زج اسم المرحوم والد رئيس الوزراء في هذه القضية للحصول على مكاسب إعلامية، ونشطت الفئات الالكترونية بنشرها فهذا عملهم وهذه وظيفتهم. ثم صدقها الكثيرون وراحوا يرددونها بحماس المتيقن العارف بدقائق الأمور.

إن للتاريخ مساراً دقيقاً وله قوانينه وأدواته التي تكشف الحقيقة وتميزها عن الزيف والتزوير مهما كانت براعة القصاصين والوضاعين.

إن التاريخ مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى، وكان المؤمل أن يبادر السوداني الى التوضيح وبيان أن المرحوم والده لا علاقة له بقضية تسليم المعارضين من فرنسا الى نظام صدام. لكن يبدو أنه أراد الترويج لهذه القصة المفتعلة للتغطية على أمور أخرى يخشى انكشافها. إنه لا يدري أنها ستنكشف.

١٠ كانون الثاني ٢٠٢٣

لمتابعة مقالاتي على تليغرام

https://t.me/saleemalhasani