القائمة إغلاق

الكاظم (ع) والرشيد

سليم الحسني

كان هارون الرشيد مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف حق أهل البيت عليهم السلام بوضوح لا لبس فيه. وقد اختار بإرادته طريق العداء لهم. فلم يجد غيره سبيلاً للبقاء في السلطة متحكماً بتلك الامبراطورية العظيمة المترامية.

لم يكن الرشيد بحاجة الى واعظ يذّكره بالموت والحساب والعقاب. كان يعرف ذلك جيداً. وكان يعرف أن نهايته ستكون في أتعس حال وأسوأ صورة، لكن ما بين يديه يمنعه عن التراجع. يُجبره على المضي نحو النهاية البائسة.

هو طريق إن وطأته القدم يصعب على صاحبها التوقف، والتراجع يصعب أكثر. خطوة تبدو بلا قيمة في حساب المسافات الطويلة، لكنها في الحقيقة أطول من كل المسافات، لأنها الأولى على اتجاه فاصل بين الخير والشر.

كان هارون الرشيد كما يقول المؤرخون أول سلطان يصف المُلك بأدق وصف، بكلمته التي ذهبت مثلاً وحكمةً وإنذاراً (الملك عقيم)، صدق فيها هارون الرشيد، وكان صادقاً مع نفسه في هذا الوصف. سمعها ابنه المأمون ووعاها، وكان مصداقها فقد قتل أخاه الأمين.

مع المُلك تموت المواعظ، تتحول الى كلمات لا معنى لها. وتقف آيات القرآن التي تتصدع الجبال خشوعاً لها، عاجزة عن تحريك خلية صغيرة في القلب.

ماتت قلوب الحكّام بهذا المُلك. جاءتهم سكرة من خمر الشيطان فأفسدت عقولهم، ومن تمسه سكرة الشيطان لا يثوب، يوغل في الإثم لحظة بعد لحظة، يهرب من النور الى الظلام، يقبع في أشد زواياه عتمة لكي لا يرى حياة الناس ولا يسمع أصوات الخلق.

كان هارون الرشيد يجد في الإمام الكاظم عليه السلام، نور الحق، فتُصاب عينيه بالرمد. سجنه في أشد السجون تحصيناً، لكي لا يتسرب نوره خارج الجدران. لا يريد أن يسمع صلاته وتلاوته، خشية أن يهرب الشيطان من أحضانه، ومخافة أن يتنبه الضمير النائم في داخله، فيُفسد عليه حلاوة المُلك.

كان الرشيد يجد في الإمام الكاظم الصوت الذي يخيف شيطانه، والنور الذي يطرد ظلمته، والصلاح الذي يهدد فساده، فما كان يهنأ بملكه والامام على قيد الحياة.

أراد الرشيد الدنيا ليعيشها طولاً بعرض، وليمسكها من اليمين والشمال، لكنه وجدها ناقصة ما لم يختفِ الإمام موسى بن جعفر من الحياة. فبقتله تكتمل الدنيا التي يريدها.

قرار خطير، ترتجف منه شياطين الجن والإنس، لكنه مع دنيا هارون الرشيد، يصبح سهلاً، وهكذا اتخذ القرار.

٢١ كانون الثاني ٢٠٢٣

https://t.me/saleemalhasani