القائمة إغلاق

سيدي طفل غزة

سليم الحسني

رأيتك وأنت غارق في نومك الأبدي. كانت بقايا صرخة حارة عالقة بين شفتيك.

قبل عدة ساعات كنتَ خائفاً من دوي الانفجارات، وكان حزنك لا يوصف على صديقك الذي قتلته الطائرات ولم يكن يبعد عنك كثيراً. أشعر بحزنك العميق حين رأيتَ نصف جسمه مسحوقاً تحت الأنقاض. لقد سمعتُك تناديه باسمه، وكأنك تبذل آخر المحاولات لتعيد له الحياة. سمعتك بوضوح، صوتك كان صافياً رغم نشيج الألم في صدرك، وسمعك العالم أجمع، سمع كلماتك وفهم معناها، فقد كانت من لغة تفهمها كل الشعوب.

عذراً سيدي الطفل الغزاوي، لا أستطيع أن أوصل صوتك الى العالم المتحضر، فقادة هذا العالم اتفقوا على إبادة الطفولة، على قتل الحياة في بلدك. لستَ وحدك من أطلقتَ الصرخة قبل أن تموت، فأشجار البرتقال أرادت أن توصل صوتها لضمير الانسان، لكنها احترقت وصارت رماداً.

أتدري ما الذي يحزنني أكثر منك؟

أنت تريد أن تنام بهدوء في قبرك، وأنا أعرف جيداً بأنهم لا يريدون جثتك الصغيرة تنام تحت الثرى، يريدون قتل الأموات مرة أخرى.

سأخبرك يا سيدي الطفل الغزاوي ماذا حدث بعد مقتلك بدقائق. لقد رأيت طفلاً يجلس على ركام بيته وحيداً، لم يبق من أهله أحد على قيد الحياة، لقد مزقتهم الغارات ودفنتهم تحت الدمار. رفع يديه الصغيرتين وراح يدعو: (يا رب، يا رب، يا رب) لم يزد كلمة أخرى، لكنه كان دعاءً ملائكياً صادقاً. كان دعاءً طويلاً في التضرع والشكوى. لقد قرأتُ في حياتي أدعية كثيرة، واستمعتُ الى قرّاء الدعاء طويلاً، لكني لم أشعر بالخشوع مثلما ذذذذ١صث٢دورة كاملة، صعد الى عنان السماء من كل الآفاق، سمعه الجن والإنس والأشرار والأخيار.

لا أعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة، أم أن طائرة إسرائيلية رجعت اليه لتقتله، فهو مذنب كبير، لأنه طفل، والطفل المسلم مجرم خطير في حضارتهم.

لا أطيل كلامي معك يا أكبر من الزعماء والقادة، سأتركك في نومتك وحزنك وبقايا صرختك العالقة في فمك، وسأمضي أنا في حزني أبحث عن مكان فيه ضمير، لأروي له ما رأيت.

٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٣

https://t.me/saleemalhasani